فراس حريري 26/ 1/ 2005
لست أدري لم يجمع هذا العصفور الأعشاب اليابسة و القش، لست أدري لماذا يشقى ببناء ذلك العش الصغير .. ليحمي صغاره من القطط و الأفاعي؟ أم ليؤمن استمرارية البقاء لبني جنسه، و كأن إنقاذ الحياة من براثن العدم هم يجثم على كتفيه، أو هدف أسمى يكافح من أجله و يفديه بلحظات حياته هي الحياة عبئ على هذا العصفور يكاد لا يبارحه طيلة وجوده فوق التراب.
لم أرني قبل الآن أنظر إلى الأشياء كهذه النظرة، أفلسفها بهذا المنطق، و أعطيها الإنتباه أو أعيرها اهتمامي. لقد كانت في الماضي أشياء أتلذذ بها، أستمتع باستراق النظر الخاطف إليها عندما أكون غارقاً في امتلائي، أو في الحديث عن بطولاتي و مجدي… عندما كنت محور الحياة كلها و النقطة التي يبدأ منها الوجود و ينتهي عند حدودها … و عندما كنت ضائعاً في هذه الترهات. أما الآن، فقد أضحت هذه الأشياء بابي إلى اللاجدوى و دليلي إلى العبث الكبير الذي يكبلني ويثقل كاهلي. لقد تحولت هذه الأشياء في نظري، ما عادت أوراقاً أكتب عليها مرحي و زهوي و مجدي و تاريخي، لقد كفَّت عن المثول أمام وعيي كعلامات تنتظم ذاكرتي المليئة بالأحداث التي أوجدتني إذ صنعتها. لقد أصبحت ضوءاً يكشف إخفاقي و ضموري، وريحاً تبعثر أحداثي إذ تجعلها بلا روابط، تفكِّكها و تنثرها فأصبح كتلة بلا تاريخ، مقطوعاً من العدم، مرمياً في الحاضر الذي يوغل قدماً في المستقبل فيقتله و يرميه في أشتات الماضي.
قبل أن يكتب الطبيب، منذ يومين، تاريخ وفاتي لم تكن تلك الأشياء تثير في وعياً بذلك العبث الذي يسوِّر الوجود الإنساني، أو الوجود بأكمله. لم تكن للحظات تلك القدرة التي اكتسبَتها الآن، و التي تجعلها قادرة أن ترميني بهذا الكم الهائل من التساؤل الفارغ عن مغزى الأشياء و الأفعال و التصرفات و النِّزاعات… قبل أن يكتب الطبيب تاريخ وفاتي كنت أحسب الإنسان كائناً يعيش. يكافح في حياته من أجل مستقبل أفضل، و حياة أرقى و أطول، تكون مليئة بالأمل، كان الإنسان في نظري كائناً يرتقي و يحلم ويخوض في عراك الحياة. أما الآن، فقد اتضحت الأمور، و بان زيف كل شيء، فقد كتب الطبيب تاريخ وفاتي. لم يخترع هذا الطبيب شيئاً خارقاً أو آلة متطورة، فهو ليس عبقرياً؛ كما أنه ليس قاسي القلب إذ وضعني في حفرتي، ولفني بكفني الأبيض، وكتب تاريخ انتهاء صلاحيَّتي. لقد دلني على أمر كنت غافلاً عنه طيلة وجودي. فقد كنت أحسب وجودي شيئاً عظيماً، ونعمةً كبرى و أمراً لا مثيل له، و قد دلني هذا الطبيب على تفاهة هذه الإعتقادات، لقد جعلني أعي أنني كائن يموت، بعد أن كنت أنظر إلى الإنسان ككائن يعيش.
يأتي الناس من كل حدب و صوب لإتمام واجبهم الإجتماعي تجاهي، وهم يعلمون تاريخ وفاتي يحاولون مؤاساتي و طمأنتي و تعزيتي.. أراهم يشفقون على يذرفون الدمع، و ينتحبون في زاوية ما، بعيداً عني. يظنون أنتي شارفت على النهاية، أو أسدلت الحياة ستاري. متأكدون مثلي من عبارة الطبيب، و يتصرفون تجاهي كمن نجا من المكيدة التي وقعتُ أنا ضحيتها. يشفقون علي ولا يشفقون على أنفسهم. بل أراني أنا أشفق عليهم. لقد أيقظني الطبيب، و بقوا هم نياماً، غافلين أنهم يسيرون على دربي ممسكين بيدي، يمشون ذات الخطى التي أمشيها. غير أن ما يميزني أنني أعرف الآن تاريخ وفاتي.
إن تاريخ وفاتي مكتوب كما أعلم، و كما يعلم الجميع على ذلك المرض العضال الذي ألمَّ بي، و أوقعني في شركه القاسي، لم يعد باستطاعتي الإفلات، ولا الهروب أو الفرار.. بل الأصح أنه لم يكن بإمكاني الهروب والإفلات منذ أن أبصرت النور في هذا العالم. فقد ولدت لكي أموت. نحن بنو البشر، نشبه الشموع المشتعلة التي تستنفذ ذاتها و تشق طريقها نحو فنائها و انقضائها. نحن بنو البشر، نعيش دوماً تحت ضعط قلق رهيب يتهددنا بالإنقراض و الموت نحيا و ثمة مسدساً مصوباً إلى رأسنا نحاول الفناء بسلام غير أننا لن نفلح، لم يكن هناك ناج غيري. فقد نجوت حين كتب الطبيب تاريخ وفاتي. لقد صرت متأكداً أنني سأموت بسلام، سأرحل عن الأرض بسبب مرض عضال يكون علة لفنائي. مرض يخلصني من ريبة هذا الوجود القائم، مرض يريحني من عذابات القلق البغيض. لقد استراحت نفسي حين كتب الطبيب تاريخ وفاتي، فقد خلصني هذا الإنسان، لم أعد خائفاً على نفسي من تلك القنابل النووية التي تقبع في صحراء النقب، أوفي معامل أبو شهر.. لم أعد خائفاً على حياتي من تلك الصواريخ البالستية العابرة للقارات التي تطلقها البوارج الأميركية من قلب البحار.
كلها شهور ضئيلة و أنتقل من مسرح الشؤم هذا للعيش في مقبرتي، حيث يمكن للدود أن يقتاتني سلام، و ينخر عظامي بدل أن أبقى على السطح فينخرها القلق.
لقد نجوت حين كتب الطبيب تاريخ وفاتي، فلم يعد هناك مجال لأكون فرداً من كثيرين يلقون حتفهم في مجزرة جماعية يرتكبها أبناء عرق أو دين أو دولة بحق أبناء عرق أو دين أو دولة أخرى باسم الإنسانية.