بين الابداع السردي التصويري، والحلّ الروائي الكسول، والتبسيطية التاريخية الثقافية.
فراس حريري – ١٦/ ٧/ ٢٠٢٦
ليست هذه الأسطر قراءة نقدية لرواية الكاتب أمين معلوف الشهيرة “سمرقند” الصادرة بالفرنسية في العام 1988 عن دار غراسيه، والتي ترجمت الى العديد من اللغات (أكثر من 30 لغة)، وقد نقلها الى العربية الدكتور عفيف دمشقية لدار الفارابي سنة 1991، حاصدة العديد من الجوائز منذ صدورها، ما جعلها رواية حيّة ما زالت تُقرأ الى اليوم. ولكنها إطلالة على العالم الروائي الذي بناه معلوف بين ضفتي روايته، مستعيناً ما أمكن بالأحداث التاريخية التي تعود الى زمن الدولة السلجوقية تارة، والى ايران في نهاية القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين تارة أخرى. ما يضعنا أمام مجموعة من التساؤلات التي لا مفرَّ منها أمام هذا العرض التاريخي لمراحل محددة من زمن بقعة جغرافية تقع في قلب العالم: ما هي الرواية التاريخية؟ وما هي حدود هذا النوع من الرواية؟ وما هي ضوابط استخدام الوقائع التاريخية الإشكالية في البناء الروائي؟ و ما هي مسوغات التلاعب بالوقائع خدمة للحبكة الروائية؟ وما مدى المشروعية التي يمتلكها الروائي في اللجوء الى تبسيط المقدس وتحويره بالممارسة اليومية لأشخاص الرواية؟
إذا كان الكاتب في الرواية التاريخية يمزج بين وقائع التاريخ وخياله، من خلال الذهاب الى مراحل محددة من المتضي ليعرض فكرته ويمرر رسالته من خلال أحداث حقيقية وأماكن حقيقية، مطلقاً العنان لخياله في اللعب داخل الفجوات والمساحات التي يهملها علم التأريخ، عبر خلق شخصيات تلعب أدواراً في الحبكة الى جانب الشخوص الحقيقية، أو ابتداع الحوارات التي يبرز الكاتب من خلالها التركيب النفسي للشخصيات، والعالم الروائي، أو الارتكاز الى العادات والأعياد والمعتقدات التي سادت في زمن ما للقيام بإخراج روائي يقصده الكاتب، فإن أمين معلوف قد تجاوز هذه الأطر في رواية “سمرقند”، مما يضع القارئ أمام سؤال: هل هي رواية تاريخية؟ أم انها رواية خيال تاريخي؟هل يعتمد على ما أسمته ليندا هاتشيون الميتا-قص التاريخي؟ ما مدى مصداقية التاريخ الذي نقرأه في الرواية بشكل عام، وفي سمرقند بشكل خاص؟
لقد بنى معلوف في روايته عالمينِ متباعدين زمنياً، يربطهما خيط دقيق قوي، هو مخطوط الخيّام الذي يضم رباعياته الشهيرة والقيِّمة. ولئن توسَّلَ الوقائع التاريخية في الزمن السلجوقي أيام نظام الملك لكي يبني إطاراً عاش عمر الخيّام داخله، وأنتج مخطوطه الثمين الذي يشكل قلب الرواية، متحرِّراً من أمانة التسلسل الزمني للأحداث التاريخية بوصفه روائياً يخلق عالماً لشخصياته، لا مؤرخاً يكتب لنا تاريخ ملكشاه ونظام الملك وعمر الخيّام وحسن الصباح وغيرهم، إلا أنه تحوَّل في القسم الثاني الى منهجية الرواية التاريخية التي تقوم على حشد الأحداث التاريخية والوقائع، لا لتكون العالم الذي تتنفس فيه الشخصيات، بل لتبدو مادةً في حد ذاتها. بل موقفاً فكرياً واجتماعياً وسياسياً من تشكُّل إيران الحديثة.
الرواية تحمل تصديراً لا يخلو من دلالة. فهو اقتباس من الكاتب والشاعر الأميركي إدغار ألن بو. بالتحديد من قصيدته الشهيرة “تيمورلنك” (Tamarlane) الفاتح الشهير الذي بنى مدينة سمرقند، بعد أن كان دمرها القائد المغولي جنكيز خان قبل مئة وخمسين عام، ثم جعلها عاصمةً لدولته المترامية الأطراف، وجمع من أصقاع الأرض العلماء والمهندسين والبنائين المهرة ليرفعوا قبابها الفيروزية ومساجدها التي ما زالت شامخة الى الآن. لكن ذلك لم يعوضه، بحسب القصيدة، حب طفولته، آدا، برغم كل المجد والقوة والسلطان.
هذا الإقتباس مختار بعناية ليتكامل مع عنوان الرواية، فيزرع في القارئ الرهبة من حضور المدينة – الرواية. فالكاتب يعلن منذ البداية أن روايته لا تحكي قصة مدينة عادية عابرة، بل مدينةً تربّعت على عرش العالم في أوج تألقها وازدهارها.
جوهر الرواية هو الرحلة التي قام بها الكاتب الأميركي بنجامين عمر لوساج، الشخصية التي اخترعها معلوف ليروي من خلالها تاريخ إيران الوسيط والحديث. والخطّة من وراء ذلك تكمن اللعب على أوتار العلاقة بين الشرق والغرب. فأمين معلوف، الكاتب ذو الأصول الشرقية، الذي يعيش في الغرب، يتكلم بلسان لوساج الغربي الذي عايش الأحداث في إيران، ورأى كيف يصنع التاريخ في الشرق، وهو الهائم بمخطوط شرقي، ويحمل في اسمه “عمر” من أثر صاحب المخطوط.
يقوم البناء السردي للرواية على قسمين منفصلين، يربط بينهما خيط دقيق محكم، هو حياة المخطوط العابرة للأزمنة التاريخية. ينتظم كلُّ قسمٍ منهما في كتابين.القسمُ الأول يروي لا سيرة عمر الخيّام ذاتها، بل سيرة مخطوطه الذي يضمُّ رباعياته الشهيرة، بدءاً من ولادة هذا المخطوط كاغداً صينياً من شجر التوت الأبيض وحتى احتراق مكتبة الحشّاشين في قلعة ألموت إثر الغزو المغولي، واختفاء المخطوط إثر ذلك. أما القسم الثاني فيدور حول التجربة المثيرة التي عاشها الكاتب الأميركي بنجامين عمر لوساج في خضمّ رحلته الى إيران للحصول على المخطوط بعد أن شكّلت رباعيات الخيّام مصدر إعجاب دائم له، والتي تنتهي بغرق سفينة التيتانيك الشهيرة وغرق المخطوط معها في قاع المحيط.
في “سمرقند”، تقوم صنارة معلوف الروائية بحبك خيطان الشرق بعرى الغرب بأسلوب فريد لا يخلو من لذة وعمق. فولادة المخطوط كانت نتيجة نصيحة القاضي أبي طاهر للخيّام بالتحلي بحكمة الصمت بعد أن تورط في خلاف في أحد أزقة سمرقند، وهو المشهور برباعياته التي تمجد الشك والخمر والحياة:
“إسمع يا بني، لقد أعطاك الله تعالى أثمن من ما يمكن أن يحصل عليه آدمي، الفطنة وفن القول والصحة والجمال والرغبة في العلم والتمتع بالعيش والإعجاب بالناس، وعلى ما أظن، تنهدات النساء. وأرجو أن لا يكون قد حرمك الحكمة، حكمة الصمت التي لا يمكن أن يُقَدّرَ ذلك كله، ولا أن يُحفظ من غيرها… وينبغي أن يكون لك وجهان، واحد تريه للناس، وآخر لنفسك، وإذا أردت أن تحتفظ بعينيك وأذنيك واسانك، فانس أن لك عينين وأذنين ولساناً… احتفظ بهذا الكتاب. وفي كل مرة يتشكل فيها بيت من الشعر في خاطرك ويقارب شفتيك ساعياً الى الخروج فاكبته بلا تحفُّظ ، واكتبه في هذه الأوراق التي ستبقى طي الكتمان.”
فهل ينمو الإبداع والفكر في أجواء القمع السائدة في الشرق؟ فلو لم يلتزم الخيّام بالنصيحة للقي حتفه بسبب رباعية لم ترُق لبعض الغوغاء، ولربما لو لم يسجل رباعياته، لحفظ السامعون بعضها زمناً ونسوا أغلبها، وما وصلت الى زمننا الحاضر.
ليس الإبداع إبناً للصمت والتقية فقط. بل هو ابن للمرأة والحب أيضاً. وهنا تبرز شخصية جهان التي لعبت دور خليلة الخيّام والملهمة للكثير من الرباعيات التي احتواها المخطوط. فقد نما هذا الأخير في كنف الحب والرغبة والنشوة التي تشاركها الخيام وجنان. هذه الشخصية التي تثير التساؤلات الى حد ليعتقد القارئ أنها امرأة من القرن الواحد والعشرين قد سقطت في بلاد السلاجقة ليجمعها القدر بعمر الخيّام.
في هذا القسم من الرواية عروج على حركة الحشاشين وفرقتهم الدموية التي تحيط بها الأسرار والأساطير، من خلال شخصية مؤسسها حسن الصبّاح. وتوتر ما بين الرغبة بالمعرفة، والشهوة للسلطة وهو ما يبرز من خلال لقاء الخيام بحسن في كاشان. إنه لقاء العالم الطامح الى المعرفة والبحث العلمي، بالعالم الطامح الى السلطة. الرجلان يسافران الى قصر نظام الملك. غير أن قدوم عمر هو بطلب من الوزير نفسه، بينما يقصده الصبّاح علّه يجد عملاً ومنصباً داخل القصر. ويشير معلوف في الحوار بين عمر وحسن الى طقس عمر كوشان، وهو مما يمكن أن يعاب على معلوف، إذ أن هذا الطقس لم يكن موجوداً في القرن الحادي عشر الميلادي. فدولة السلاجقة هي الدولة السُّنِّية الحازمة، التي لم تكن لتتساهل في هذه المسائل، ولكان من الممكن أن يلقى أي شخص حتفه في هكذا ممارسة. بل إن الصحيح تاريخياً هو أن هذا الطقس الإحتفالي الساخر بموت عمر الخطاب قد نشأ في مدينة كاشان عند مزار أبي لؤلؤة الفيروزي، وذلك في عهد الدولة الصفوية التي أسسها الشاه اسماعيل عام 1501 م. وذلك في إطار الحشد الجماهيري الشيعي في مقابل الدولة العثمانية السُّنِّية المجاورة.
يكتمل التوتر بين إرادة العلم وشهوة السلطة حين يتخلى الخيام عن شغل منصبٍ لدى نظام الملك لصالح حسن الصباح الذي ما يلبث أن يقع ضحية طموحه الذي أوقعه في مؤامرة مدبرة من الوزير، تؤدي الى نفيه وامتلاء نفسه بالحقد على دولة السلاجقة. فيشرع في تأسيس فرقته الدموية. وهو ما يرويه معلوف في الكتاب الثاني من الرواية المعنون بـ”فردوس الحشاشين” حيث يحشد الوقائع التاريخية لكي تخدم حبكة الرواية، فيمر على تأسيس الفردوس في قلعة ألموت، وفرقة الحشاشين وولاءها المطلق للصباح ولدعوته. ويعرج أيضاً على المؤامرات التي حدثت داخل القصور، ويدسُّ جهان، خليلة الخيّام، في صلب هذه المؤامرات، لكي يخلق رابطاً بين الحوادث التاريخية والخيّام ومخطوطه، وليفتح المناسبة تلو الأخرى لعمر لكي يفشي بأعمق أفكاره حول الحياة والحبّ والسياسة والصداقة والايمان. إذ يموت نظام الملك، ويموت ملك شاه، وتموت زوجته تركين، وتُذبحُ جهان، وينجو عمر الخيّام ويلفي هائماً على وجهه طائفاً في البلاد يعاني التضييق والعزل، ويُدعى الى قلعة ألموت، ويسرق منه مخطوطه، ويذهب بدلاً من تلبية دعوة الصبّاح الى مسقط رأسه فيموت قارئاً كتاب الشفاء لابن سينا، بينما يموتُ حسن الصبّاح بعد أن يؤسس مجتمع ألموت القمعي الإيديولوجي المتشدد، الذي تكون نهايته على يد حفيده الذي اعتزل ليقرأ المخطوط قبل إعلانه سقوط النظام القديم. الى أن تسقط القلعة على يد هولاكو وتحرق مكتبتها، ويبقى مصير المخطوط معلّقاً بذكر خبر دخول الجويني الى المكتبة وانقاذه ما يمكن من الكتب النادرة.
في القسم الثاني من الرواية، ينتقل الكاتب بالقارئ من العصر السلجوقي الذي عاش فيه الخيّام، وشهد ولادة المخطوط واختفائه، الى بداية القرن العشرين، الى الولايات المتحدة الأميركية حيث يعيش بنجامين عمر لوساج، ابن العائلة الأميركية المهووسة برباعيات الخيّام كما ترجمها المستشرق البريطاني إدوارد فيتزجيرالد. الهوس الذي يسري في دم بنجامين الذي يحمل إسم عمر تيمناً بالخيّام. وهو ما كان في أواخر القرن التاسع عشر موضة ثقافية سمِّيت بظاهرة الخيّام. هذا الهوس هو الذي سيدفع بنجامين الى القيام برحلة الى ايران للبحث عن المخطوط لأصلي للرباعيات بعد أن يلتقي بجمال الدين الأفغاني في باريس الذي يخبره عن مكان وجود المخطوط في ايران.
يعود معلوف الى السرد التجميعي للأحداث التاريخية. فالإضطرابات السياسية التي عاش الخيّام في وسطها، سيعيشها لوساج داخل إيران التي ستدخل أزمة ما يعرف بالثورة الدستورية. فكما وجد الخيَّام أثناء طموحه المعرفي نفسه في داخل عاصفة من الإضطرابات السياسية التي أدخلته المعترك رغماً عنه، كذلك لوساج. إذ يتم اغتيال الشاه على يد أحد أنصار الأفغاني، وتندلع الثورة ضد الشاه الجديد بين عامي 1905 و1909 م. ويجتمع بنجامين بالناشط الأميركي هوارد باسكرفيل المنخرط الى أذنيه في الثورة التي تتدخل فيها القوى الخارجية.
وكما يجمع الحبُّ عمر الخيَّام بخليلته جنان في القسم الأول، يجمع الحب أيضاً بنجامين بشيرين، إبنة العائلة القاجارية، وصاحبة النفود السياسي، وحاملة الجنسية الأميركية، ومالكة المخطوط الأصلي. وتدور قصة حبهما السرِّية، كما قصة حب عمر وجنان، داخل هذا البركان المتفجر، وكأن ثمة رسالة مفادها أن المخطوط ليس سوى دعوة للحب والحرية، ورفض للموت والحرب والسلطة. فها هو رابطة للحب بين الشرق المتمثّل بشيرين، والغرب المتمثِّل ببنجامين، في دعوة لأن يكون لقاء الشرق والغرب من خلال الإبداع الفني والتواصل البناء، لا من خلال لقاء المدافع والحروب والرصاص.
تشتعل الثورة الدستورية أقوى بكثير مما يشتعل حب بنجامين وشيرين، وتتسارع الأحداث وتتوالى جارفةً العاشقَين في صيرورتها. وتتدخل الجيوش الأجنبية، فيقصف القوزاق الروسي البرلمان الإيراني، ويقتل من يقتل، وتفشل الثورة، ويختنق الحلم الإيراني بالحداثة والحرية والديمقراطية. ويقرر بنجامين ومحبوبته الفرار والنجاة. فيختاران السفر الى الولايات المتحدة الأميركية على متن أعظم سفينة بنتها التكنولوجيا الغربية، السفينة التي لا يستطيع حتى الله إغراقها. ويحمل الثنائي الجميل رابطة حبه، أي المخطوط الثمين، ويحلمان بالحياة التي ستكون من نصيبهما. ولكن يشاء القدر أن تغرق السفينة، ويغرق معها المخطوط، في رمزية قاسية، فالسفينة رمز لغطرسة الحضارة الغربية التكنولوجية المادية، تغرق، ويغرق معها المخطوط الذي يرمز الى روح الشرق وسحره وقيمه، وهنا يثير معلوف لدى القارئ جدلية العلاقة بين الشرق والغرب، ومدى إمكانية نجاح إية توليفة تجمع جمال الروحانية الشرقية مع جفاف المادية الغربية القاسية.
في الرواية العديد من المشاهد التي تبرز عبقرية أمين معلوف، منها مشهد المحاكمة الذي أفضى الى نصيحة القاضي أبي طاهر وولادة المخطوط، ومشهد لقاء الشخصيات الإساسية في القسم الأول واختيارها أنماط تفكير ترسم مصائرهم، فالخيّام يختار الملاحظة والعلم، والتأمل والشعر، ويموت بعدها قارئاً كتاب الشفاء لابن سينا، ونظام الملك الذي يختار السلطة وتنظيم الشأن العام، ويموت قتلاً، وحسن الصباح الذي يختار العقيدة الحديدية، وتغيير العالم بالعنف والقتل، ويموت في عزلته في قلعة ألموت. وهناك مشهد السيطرة الناعمة للصباح على قلعة ألموت من خلال نشر العقيدة الجديدة، وتحويلها الى فردوسٍ موهوم، يقوم على الأحادية الصارمة، ومنطلقاً لفرق الاغتيالات التي تريد تغيير العالم بالعنف. وهناك مشهد حرق مكتبة الحشاشين، حيث يعيد صناعة مشهد تاريخي بأدوات الروائي الحاذق، فيترك مصير المخطوط مفتوحاً على احتمالي الإحتراق والنجاة. وأيضاً، يبرز عمقه الفكري والروائي في مشهد يعيد قراءة رموز أسطورة الخلق، أي المرأة والتفاحة، فحين كان يهمُّ بتدوين بعض الرباعيات، يساوره التردد والقلق بسبب جرأتها ونزعتها التشككية، وإذ بجهان تأخذ تفاحة من سلة الفاكهة، تقضمها، وتصرّح أن المعرفة مغامرة تستحق المخاطرة والجرأة، مشجعة إياه على الإقدام على فعل الكتابة، وهنا تكفُّ التفاحة عن كونها رمز الخطيئة الأولى، وتعود المرأة لتصبح الحافز الأول للالهام، والشجاعة والإبداع. ويبرز أيضاً مشهد حصار تبريز، وموت الناشط الأميركي باسكرفيل، حيث يربط معلوف بين مصير هذا الغربي الذي يدافع عن التحرر والإصلاح وسيادة الدستور في إيران، وبين مسار لوساج الباحث عن المخطوط التاريخي الثمين الذي يمثل دعوة للحب والتسامح والحياة. هذان المساران هما الجسر الحقيقي الذي ينبغي أن يشيّد بين الشرق والغرب، لا جسر السيطرة والعنف.
بين هذه المشاهد الروائية المتَّسمة بالعمق والإبداع، تبرز بعض السقطات التي لا تغتفر، والتي لا ينبغي أن يقع فيها كاتب من طراز أمين معلوف. أهمها مشهد إنقاذ لوساج، ومشهد ما أسماه الكاتب “وهم التبني“، أو “عملية التبني الرمزي“. ففي المشهد الأول، بعد أن داهم القوزاق الروسي الفندق الذي يقيم به بنجامين، قام بالهرب وتعرض للملاحقة. وهنا مشهدٌ يلجأ فيه معلوف الى الحل السهل الكسول الذي لا يراعي الخصوصيات الثقافية للمجتمع، ويشعر القارئ بالاستغراب:
“وانفتح الباب. باب الجنة. باب صغير مخفي في جدار ملطخ بالوحل. انفتح عند زاوية احد الشوارع ولامست يد يدي فتشبتُّ بها، وسحبتني إليها وأغلقت الباب خلفي“.
لا بدَّ أن كاتباً مثل معلوف يعرف تماماً حساسية مسألة لمس المرأة للرجل الأجنبي (أي الغريب الذي لا يحلُّ لها) في مجتمع شيعي في مطلع القرن العشرين، فكان يمكنه أن يجد إخراجاً أكثر إتقاناً وأقل التباساً مما لجأ إليه. ولكنه ربما استسهل هذا الحل، خاصة وأنه يتوجه الى القارئ الأوروبي في المقام الأول. ولو كان من الممكن أن يبرر معلوف المشهد بجعل زوج هذه المرأة من طائفة البابيين التي تدعو الى المساواة الكاملة بين الرجل والمرأة، لما كان سقط سقطته القاتلة في المشهد الذي يليه وهو مشهد التبني الرمزي. فقد انتبه الكاتب الى أن القارئ سيسأل عن امكانية تواجد رجل غريب في حضرة ثلاثة من النساء، فأثار قضيةً مطمورةً في التاريخ الإسلامي، وهي مسألة إرضاع الكبير. في حين أن هذه القضية لم تأخذ حيزاً في البحث العلني سوى في العام 2007 في مصر بعد أن فتح بابها رئيس قسم الحديث في الأزهر الشيخ عزت عطية، وما لبث أن أوقف بسببها لخطورة أثرها في الذهن العام. وقد أثارها من جديد في العام 2010 المستشار القضائي في الديوان الملكي السعودي الشيخ عبد المحسن العبيكان، مما أشعل الكثير من الجدل في العالم الإسلامي وأحدث موجة استنكار واسعة، مع أن العبيكان أوضح بأن ذلك لا يكون بلقم الثدي، بل باستخراج الحليب منه، فيشربه الكبير لحصول المحرُمية. لعدم جواز انكشاف المرأة على الرجل الأجنبي أو حصول ملامسة. ومع ذلك، فقد دفع هذا الأمر بالملك عبد الله بن عبد العزيز الى اصدار الأمر الملكي الحازم بقصر الفتوى على أعضاء هيئة كبار العلماء لمنع ما أسماه بالفتاوى الشاذة. وإذا كان من المهم والضروري استعراض هذه التفاصيل التي تحيط بالمسألة، فذلك لكي يعرف القارئ، سواء العربي أو الاجنبي، أن هذه المسألة ذات طبيعة اشكالية حادة وتثير الكثير من الحساسية، ولا يمكن تناولها بالخفة التي فعلها معلوف خدمةً لأغراضه السردية. لكن معلوف يفتح الباب عليها في العام 1988 أي قبل إخراجها من الدوائر الفقهية المغلقة، وقبل إثارتها في الفضاء المعرفي العام بـ 19 عام. وهذا يعني أن المسألة لم تكن في متناول عامة الناس، ولا كانت ممارسة دارجة ومستساغة كما صورها معلوف في روايته:
“ثلاث نساء وحديقة وازدراء يدخل على النفس الطمانينة، وإني لأستطيع أن أعد إلى ما لا نهاية الأيام الأربعين غير الحقيقية فى ذلك الربيع الفارسي القائظ وإنه ليصعب على المرء أن يكون غريباً أكثر من ذلك، ولا سيما في عالم نساء الشرق حيث لم يكن لي أدنى مكان. ولم تكن محسنتي تجهل شيئاً من الصعوبات التى زجَّت نفسها فيها. وإني لواثقٌ من أنها كانت فى الليلة الأولى، وأنا نائم داخل الكوخ في آخر البستان، ممدَّداً على ثلاث حصر مكدسة، فريسةً لأشدِّ أنواع الأرق، لأنها استدعتني منذ الفجر وأجلستني متربعاً إلى يمينها، واجلست ابنتيها إلى يسارها، وخطبت فينا خطبة كدت الذهن في إعدادها .
بدأت بامتداح شجاعتي، وكرّرت فرحتها باستقبالي. وبعد أن راعت الصمت بضع لحظات شرعت بغتة بفك أزرار ثوبها على مرأى من عيني الحائرتين. وتضرّج وجهي وحوّلت بصري إلا أنها جذبتني إليها. وكان كتفاها عاريين، وكذلك كان ثدياها. وبالكلام والإشارة دعتني إلى الرضاعة منهما. وضحكت الفتاتان ضحكاً مكتوماً، غير أن الأم كانت تجدُّ جدَّ طقوس التضحية. وصدعت بالأمر واضعاً شفتي بأشد ما يكون من حياء على طرف أحد الثديين ثم على طرف الآخر . وعندها عادت تستر نفسها من غير تعجل قائلة بأكثر النبرات احتفالاً :
– لقد أصبحت بهذه الحركة ابني، وكأنك قد وُلدتَ من لحمي .
ثم التفتت إلى ابنتيها، وكانتا قد توقفتا عن الضحك، وأخبرتهما بأن عليهما أن تتصرفا معي بعد اليوم وكأني أخوهما الشقيق.
ولقد بدت لي الحفلة في لحظتها مثيرة وإن مضحكة. ومع ذلك فإنني اكتشفت فيها وأنا أعيد التفكير بها جميع فطنة الشرق. فالحق أن وضعي كان مزعجاً جداً بالنسبة إلى تلك المرأة. ولم تتردد في أن تمد لي يد العون والإنقاذ مجازفة بحياتها، وقدمت لي ضيافة أبعد ما تكون عن الخضوع لأي شرط. وفي الوقت نفسه، لم يكن وجود غريب ذكر شاب بجوار ابنتيها ليل نهار إلا ليثير في يوم من الأيام ما لا تحمد عقباه. فهل كان هناك، لتذليل هذه العقبة، أفضل من عملية التبني الرمزي ؟ ولقد أصبح في مكنتي مذاك أن أجول في البيت على هواي، وأن أنام في الغرفة نفسها، وأن أطبع قبلة على جبين “أختي”، فقد كان يعصمنا جميعاً ويثبتنا وهم التبني”.
فأن يكون كاتب من طراز أمين معلوف جاهلاً بتفاصيل مسألة يوردها في روايته، فهو أمر مستبعد، وهو الذي مرَّ على الكثير من التفاصيل المعقدة من تاريخ وثقافة حضارة غنية، وأن يكون الكاتب قد استسهل جر القارئ الغربي الى الإثارة والتشويق باللجوء الى عنوان إشكالي ومثير للجدل، فهو من حقه، ولكن هل يجوز في موضعٍ يولِّدُ سوء فهمٍ كبيرٍ لحضارة كاملة أن يخدم مشروعه الفكري حول التواصل بين الشرق والغرب؟ لا بد أن معلوف وقع أسير الحل الروائي الأسهل. فكان يمكنه بفطنته أن يجد حلاًّ أكثر منطقية وتوافقاً مع الواقع التاريخي والعملي من أن يسيء بقصدٍ أو دون قصدٍ الى حضارة كاملة ساخراً من تراث “دين ذي ترسانة زاخرة أبداً بالوصفات”.
في خلاصة هذه الإطلالة على عالم “سمرقند”، لا بدّ من القول أن معلوف قد برع في تجميع الحوادث التاريخية ووضعها في حبكة درامية شيِّقة، واستطاع بخياله الأدبي الفذّ أن يربط بينها مصوِّراً الشخصيات الحقيقية والمختلقة في عالمٍ روائي لا يخلو من الجدّ والرصانة والعمق، وإن توسَّل في ذلك اللجوء الى المزج بين الحدث التاريخي الحقيقي والخيالي بحيث يصعب على القارئ اعتبار الرواية وثيقة تاريخية يعتمد عليها للاطلالة على دولة السلاجقة، أو على تاريخ ايران الحديث بدون تدقيق وتمحيص. وإن كان معلوف قد استطاع أن يبرز عبقريته من خلال عمق الحوارات، وتصوير رمزية المشاهد باحترافية عالية، فإنه لم يسلم من بعض السقطات القاتلة التي قد لا ينتبه لها القارئ الغربي، أو حتى القارئ العربي العادي، وكان بإمكانه تلافيها بالابتعاد عن استراتيجية الحل الروائي الكسول الذي يستخفُّ بالقارئ ما يفقد الرواية مصداقيتها.
