فراس حريري 22/ 9/ 2021

اللوحة لرامبرنت بعنوان: الثور المسلوخ (The slaughtered ox) وقد رسمت في العام 1655
لقد ظلمتَني يا ربّ.
إنها بسملتي الخاصّة كل صباح. لعن الله المرايا التي أراني مجبرةً أن أقف أمامها كل يومٍ لأنظرَ إلى هذه المرأةِ الشنيعةِ التي أكونُها. ألستَ تقول يا ربّ أنك خلقتَ الانسان في أحسن تقويم! فانظُر بنفسك إلى هذه الخلقة. انظُر إلى هذا الوجه. فهل تراهُ خَلقاً قويماً؟ ما هذه البشرة التي جعل منها النمشُ غربالاً صدِئاً؟ لن أحدثك بالندوب التي تركتها بثور الشباب. فقد تكون جريرتها لاحقة بي، وبحماقاتي التي لا تعدُّ ولا تُحصى. هذه الحماقات الصادرة عن عقلي الأعوج الذي ميَّزتني به عن البهائم. هل ميزتني حقاً عنها بهذه الهِبة التي لا تُفوَّت؟ انظُر إلى هذا الأنف. أنف سيرانو أم بينوكيو أم بيبا بيغ؟ قل لي. لو كنتَ رجلاً هل ستقدم على الزواج من امرأة بهذا الأنف؟ أيُّ عريسٍ سيأتي ليقبِّل فماً به أسنانٌ لامتناظرةٌ مصفوفةٌ كعمارة مبتدئ يستخدم حجارة الأودية! إنه ليس وجهاً على الاطلاق. إنه “سمّة بدن”
كيف سأضع حُمرتي على شفتينِ ملتويتين بفعل دفعِ تظاهرةٍ من الاسنانِ كما يدفع حشد من الغاضبين سياجاً حديدياً! ولمَ أضع الحُمرةَ في الأساس؟ كي أدلَّ الناظرين إلى هذه العاهة، وألفتَ انتباههم أكثر؟ دعكِ منها. أو فلتضعي لوناً أقرب إلى لون البصل.
ماذا سألبس؟ كيف سأقف أمام تلامذتي؟ إنها أسئلتي اليومية أمام المرآة. كيف سأضبط صفِّي؟ كيف سأمنع التلامذة من الضحك والتهامس والسخرية؟ لا بد أنهم ينظرون إلى ما خلف هذا القماش. يرون هذين الثديين المرتخيين القريبينِ إلى السُّرّة، وهذه البطن الثلاثية الطبقات. أين سأخبئ هذه القفا المتهدلة الرخوة التي لا بد أنها تتمايل ككيسين من اللبن كلّما مشيت؟
أنا كائن ثلاثيني. لن أقول أنني امرأة. فهذا الجسد أبعد ما يكون عن أجساد النساء. أنا لست سعيدةً على الإطلاق. أنا خجلٌ يقف على قدمين. آه، لقد عدنا للجسد. أهٍ لو أننا أرواحٌ محضة. كم كانت الحياة عندها أسهل! كان يمكن للمرء أن يتخفى وراء فكرةٍ أو ينسلَّ هارباً من البشر كريحٍ تحرِّك الأوراقَ دون أن تُرى. كيف يمكن لأحدٍ أن يصدِّق ادعائي بالسعادة، أو ابتسامتي التي تشبه كلَّ ما يخطر بالبال إلا الإبتسامة. لا بد أنني حين أبتسم أظهر كعجوزٍ تمضغ العلكة بعد فقدها لنصف أسنانها. ثمانية وعشرون عاماً وأنا أضع حُمرتي وأخبئ جسدي وعوراته بقطع القماش الفاخر ولم يلتفت إليَّ أحد من الزملاء إلا للتسلية سخريةً واستخفافاً. بل أراهم ينفرون مني كما يهرب الذباب من ذيل البقرة حين يتحرك، كأنه ينذر بصفعة قاتلة. هل أنا صفعة قاتلة؟ كأنني مصنّفةٌ كبضاعةٍ غير قابلة للإشتهاء. أليس ثمة رجلٌ بين هؤلاء الأساتذة يشتهي جسدي؟ لا ألومهم. فلو كنتُ رجلاً لما اشتهيتُني. العازبون منهم لن ينظروا إليّ بكل تأكيد. بل هم ينظرون ويطفح القرف سائلاً من أحداقهم. كأنهم ينظرون إلى نعجةٍ متسخةٍ لا إلى امرأة. والمتزوجون؟ آه من هؤلاء الخبثاء. إنهم ينظرون إليّ وأعينهم تقول بأن في بالهم تدور المقارنة بين بشاعاتِ جسدي وكوارثِ تكويني، وبين ما يكرهونه في أجساد زوجاتهم. إنهم ميؤوسٌ من أمرهم. فدخول المتزوج في علاقة أو مغامرة مع امرأة أخرى غير زوجته ينطوي على مخاطرة كبيرة. فمن يتجرأ على خوض هذه المخاطرة لأجل لا شيء؟ لأجلِ كتلةٍ من أخطاء التكوين المثيرة للغثيان؟ بالتأكيد لا أحد. لكنهم خبثاء. وأكثر ما يميتني هو هذا الخبث المجبولة به بعض نفوس هؤلاء.
لقد حدث اليوم أن مازحني أحدهم أثناء استراحة الساعة العاشرة والنصف بعد أن أبديت رأيي في حديثٍ بأنه ليس ثمة رجال في مجتمعنا. لأن الرجولة تعني الشجاعة لا الخوف من الزوجة، ولا الإقتصار على امرأة واحدة في حين أن الله قد أباح للرجل تعدد الزوجات. لقد مازحني هذا الزميل بخبث، كما يمازحني دائماً. حيث يلاعبني لعبة الإيحاء والتلميح. تارة يقوم بتحريك يديه أثناء الكلام راسماً بهما الوضعيات الجنسية المختلفة. وتارة أخرى يستخدم حقلاً معجمياً ملتبساً يصلح للعنف والجماع معاً. إنه ستِّينيٌ عجوزٌ لا يصلحُ بعدُ لهذه المهمات. ولا يتعدى أمره أن يكون تلذذاً كلامياً ساديَّا.
هكذا كنتُ أظنُّ قبل أن أسمعه اليوم يجيب صديقَه حين قال له هذا الأخير بأنه يتخطى الحدودَ في مزاحه معي بأن قال:
- هل أنت مجنون؟ انظر إليها كيف تبدو كباذنجانةٍ فاسدة. إنها بشعةٌ إلى حدِّ لا يطاق.
- لمَ تغازلها غزلاً فاحشاً إذاً؟
- إنها بهذه الشناعة لا بدَّ أنها حُرِمت من اللذة الجسدية. لذلك فأنا أقوم بخدمتها. لا بدّ أنها تسعَدُ وتطربُ لسماعِ بذاءتي، ويأخذها خيالها بعيداً حين أحرّك يديَّ بهذه الطريقة الخبيثة. أنا أفعل ذلك عمداً.
لذلك، فلا بدَّ لي أن أقومَ بما أقومُ به الآن. لا بد أن أدخلَ إلى حمَّام المدرسة، وأخلعَ كل ملابسي. أن أتحررَ من هذا القماش الذي لطالما اختبأتُ وراءه. وخبَّأت خلفه الترهلَ والدهونَ الزائدةَ، والبطن الرخوة المتشققة، والثديين النازلين. لا بد أن أُظهِر قباحتي في عريها كي يراها الجميع. وكي يتحدثَ عنها الجميع. لا بدَّ أن أخلع حزامي الذي ارتديته اليوم. وكأنني قد ارتديته خصيصاً لهذه المهمة التي أقوم بها الآن. أربطه في الأعلى هناك. ألفُّه حولَ عنُقي وأقول: ها أنا معلَّقةٌ أيها الخبيث. لم تعد بحاجةٍ أن تعلقني بخيالكَ على عمودٍ خشبي، أو على شجرة التوت “لتسلخَني”.
أنا معلَّقة الآن. ولست أتلذذ.
لستُ سعيدة.
إنّ رقبتي تؤلمني، وأنفاسي قد شارفت أن تنقطع.
مقال رائع